الحلبي

91

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

شرطت عليهم أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر السيوف في القرب ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : إني لا أدخل عليهم بسلاح ، فقال مكرز : هو الذي تعرف به البرّ والوفاء ، ثم رجع مكرز إلى مكة سريعا وقال : إن محمدا لا يدخل بسلاح وهو على الشرط الذي شرط لكم انتهى . فلما اتصل خروجه لقريش خرج كبراؤهم من مكة حتى لا يروه صلى اللّه عليه وسلم يطوف بالبيت وهو وأصحابه عداوة وبغضا وحسدا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه مكة ، أي راكبا ناقته القصواء وأصحابه محدقون به ، قد توشحوا السيوف يلبون ، ثم دخل من الثنية التي تطلعه على الحجون وهي ثنية كداء بالمد ، أي وكان صلى اللّه عليه وسلم إذا دخل مكة قال : اللهم لا تجعل منيتنا بها ، يقول ذلك من حين يدخل حتى يخرج منها ، أي وجعل صلى اللّه عليه وسلم في بطن ناجح ، موضع قريب من الحرم ، وتخلف عنده جمع من المسلمين ؛ أي نحو مائتين من أصحابه عليهم أوس بن خولى ، وقعد جمع من المشركين بجبل قينقاع ينظرون إليه صلى اللّه عليه وسلم وإلى أصحابه وهم يطوفون بالبيت ، وقد قالوا : أي كفار قريش : إن المهاجرين أوهنتهم : أي أضعفتهم حمى يثرب . وفي لفظ قالوا : يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب ، فأطلع اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم على ما قالوا ، ثم قال صلى اللّه عليه وسلم : رحم اللّه امرأ أراهم من نفسه قوة فأمر أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، أي ليروا المشركين أن لهم قوة : أي فعند ذلك قال المشركين ؛ أي قال بعضهم لبعض : هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهمتهم ، هؤلاء أجلد من كذا ، إنهم لينفرون : أي يثبون نفر الظبي : أي الغزال ، وإنما لم يأمرهم صلى اللّه عليه وسلم بالرمل في الأشواط كلها رفقا بهم ، واضطبع صلى اللّه عليه وسلم بردائه وكشف عضده اليمنى ففعلت الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم كذلك ، وهذا أوّل رمل واضطباع في الإسلام . وأقام صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ثلاثة أيام ، فلما تمت الثلاثة التي هي أمد الصلح جاء حويطب بن عبد العزى ومعه سهيل بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما - فإنهما أسلما بعد ذلك - إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمرانه بالخروج هو وأصحابه من مكة ، فقالوا : نناشدك اللّه والعقد إلا ما خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث ، فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو وأصحابه منها ، وكان صلى اللّه عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي اللّه عنها ؛ أي وكان اسمها برة فسماها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ميمونة وهي أخت أم الفضل زوج العباس رضي اللّه عنهما ، وأخت أسماء بنت عميس لأمها زوج حمزة رضي اللّه تعالى عنه ، وكان تزوجه صلى اللّه عليه وسلم ميمونة قبل أن يحرم بالعمرة ، وقيل بعد أن أحلّ منها ، وقيل وهو محرم ، أي وهو ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ، ورواه الدارقطني من طريق ضعيف عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم كان قد بعث إليها جعفرا رضي اللّه عنه ليخطبها ، ولما انتهت إليها خطبة النبي صلى اللّه عليه وسلم كانت